أبي محمد القاسم بن علي الحريري البصري
30
مقامات الحريري ( المقامات الأدبية )
فلم يكن إلّا كلمح البصر ، أو هو أقرب ، حتّى أنشد فأغرب « 1 » : سألتها حين زارت نضو برقعها « 2 » ال * قاني « 3 » وإيداع سمعي أطيب الخبر فزحزحت شفقا « 4 » غشّى « 5 » سنا قمر * وساقطت لؤلؤا من خاتم عطر « 6 » فحار الحاضرون لبداهته « 7 » ، واعترفوا بنزاهته « 8 » فلمّا آنس « 9 » استئناسهم بكلامه ، وانصبابهم « 10 » إلى شعب إكرامه . أطرق « 11 » كطرفة العين ، ثمّ قال : ودونكم بيتين آخرين . وأنشد : وأقبلت يوم جدّ البين « 12 » في حلل * سود تعضّ بنان النّادم الحصر « 13 » فلاح ليل على صبح أقلّهما * غصن وضرّست البلّور بالدّرر « 14 » فحينئذ استسنى « 15 » القوم قيمته ، واستغزروا ديمته « 16 » وأجملوا عشرته « 17 »
--> ( 1 ) أي أتى بالغريب . ( 2 ) أي كشفه وإزالته وهو ما ترسله المرأة على وجهها ويجوز فيه ضم القاف وفتحها . ( 3 ) أي الشديد الحمرة . ( 4 ) أي برقعا شبيها بالشفق وهو الحمرة بعد الغروب إلى أول وقت العشاء . ( 5 ) أي غطى . ( 6 ) السنا بالقصر النور وهو المراد وبالمد الرفعة وكنى بالقمر عن وجهها وباللؤلؤ المتساقط عن كلامها وبالخاتم العطر عن فمها . ( 7 ) البداهة بالضم والفتح كالبديهة أول كل شيء وما يفجأ منه . ( 8 ) ببراءته من الريبة . ( 9 ) أي علم والأصل فيه أبصر ومنه أخذ إنسان العين أي حدقتها التي ينظر بها والاستئناس من الأنس بضم الهمزة ضد الوحشة . ( 10 ) أي ميلهم وإسراعهم والشعب بالكسر الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن الأرض . ( 11 ) الإطراق أن يرمي ببصره إلى الأرض وأصله أن ينظر في الطريق الذي يطأه . ( 12 ) البين الفراق وجدّ أي حقّ وصار جدّا . ( 13 ) بكسر الصاد الذي لا يمكنه التكلم من البكاء والغيظ . ( 14 ) أراد بالليل الشعر وبالصبح الوجه وأقلّهما أي رفعهما وحملهما وأراد بالغصن القد وبالبلور البنان أو ظهر الكف وبالدرر الثنايا . ( 15 ) استفعل من السناء وهو العلوّ والرفعة . ( 16 ) أي استكثروا فضله وأصل الديمة السحابة تدوم أياما ممطرة . ( 17 ) أي أحسنوا معاشرته وصحبته .